كلمة الرئيس

  


الحمد لله رب العالمين الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المعلم الأول وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد ، فمما لا شك فيه أن العلم أهم مقاييس التفاضل بين البشر ، مهما اختلفت أجناسهم وتباينت ألوانهم ، لأن الناس جميعا أصبحوا يؤمنون بما للعلم من قيمة في حياة الأفراد والجماعات ، فبالعلم تتقدم الأمم ، وترقى المجتمعات ، ولذلك لا تدخر الدول وسعا ولا تألو جهدا في سبيل نشر العلم ، والقضاء على الجهل ، وبمقدار ما يتقدم أفراد الأمة في العلوم والمعارف ترتقي هذه الأمة ، ويعلو شأنها بين الأمم الأخرى ، ولكن كيف يحقق الأفراد هذا التقدم ، وكيف تحقق الأمم هذا الرقي؟

 

 

 

 

 

إن من أهم وسائل التعليم هي المؤسسات التعليمية المختلفة، ومن أهم هذه المؤسسات المدارس والمعاهد والجامعات، وسائر الجهات التعليمية المتخصصة. وقد انتشرت المؤسسات التعليمية في مختلف بلدان العالم، وأصبح لكل منها منهج يترجم سياستها التعليمية، وتحاول به أن تحقق أهدافها التربوية. ومع تعدد المناهج وتطورها حينا بعد حين يشكو القائمون على التعليم في العصر الحاضر من تدني مستويات التلاميذ ، وضعف تحصيلهم ، وعجزهم بعد التخرج عن مواجهة الحياة ، لأنهم قد يتخرجون في ظل مناهج تجعل كل اهتمامها بالكم لا بالكيف مناهج لا يدور فيها إلا سؤال واحد ، هو كم درس التلميذ دون النظر إلى طول فترة التعليم ، ودون الاهتمام بظروف البيئة والمجتمع واختلافها باختلاف المعتقدات والعادات ، ولكن الأصوات التي ارتفعت بالشكوى كانت دائما ترضى بالحلول الجزئية السريعة ، وتخدع بما يسمى تطوير المناهج ، أو تعديل طرق التدريس ، أو تبديل المقررات ، أو غير ذلك من العبارات التي تخفف الألم ولكنها لا تقضي على الداء .فكان لا بد إذا من تغيير شامل ، أو تفكير في شيء جديد ، يأتي نتيجة لتحليل هذه المناهج، وتوضيح الأهداف المرجوة ، لمعرفة مدى ما تستطيع هذه المناهج تحقيقه من هذه الأهداف . ولا خلاف في أن الأهداف جميعها متفقة في ضرورة الوصول بالتعليم إلى القدر الذي يمكن المتعلم من مواجهة متطلبات الحياة بقدرة ونجاح في أقرب وقت وبأقل جهد ممكن ، فهل تستطيع المناهج التربوية الحالية تحقيق ذلك ؟بالطبع لا ، وأول ما يجعلها عاجزة عن ذلك هو طول فترة التعليم ، لأن الخطط الدراسية الشائعة اليوم تقضي بأن يمضي التلميذ في المدرسة أفضل فترات عمره ، فترة القوة والفتوة حيث يبقى جالسا على كرسي الدراسة حتى تصل سنه إلى الخامسة والعشرين أو دونها بقليل ، فيتخرج وقد أنهكته السنوات الطوال ، وأرهقته الأعباء الجسام ، وفاته قطار الحياة ، فهل هذا هو ما ينتظره المجتمع من الأبناء ؟

إن الأبناء أمانة في أعناق الآباء، وقد تسلم المعلمون هذه الأمانة عن الآباء فكيف يقف هؤلاء وأولئك مكتوفي الأيدي أمام سنوات طويلة تمر من عمر أبنائهم يقضونها في التعليم عالة على والديهم، ويعيشونها مستهلكين غير قادرين على الكسب أو المشاركة في مسؤوليات الحياة. لذا كان لا بد من التفكير في منهج تربوي، يوفر على الأبناء هذه السنوات، ويمكنهم من القيام بمسؤولياتهم في سن مبكرة، ليصبحوا بعدها عاملين منتجين نافعين، ولكن كيف يمكن تحديد هذه السن؟

إن نظرة واعية فاحصة إلى طبيعة النشء ، تجعلنا نميز بين مرحلتين من مراحل النمو ، مرحلة الطفولة والصبا ومرحلة الرجولة والنضج ، ويفصل بينهما ذلك التغير الفسيولوجي الواضح في حياة الإنسان ، وهو البلوغ باعتباره الحد الفاصل بين المرحلتين ، ويصل الشاب إلى سن البلوغ في الخامسة عشرة من عمره تقريبا ، وبعدها يصبح إنسانا كامل المسؤولية ، قادرا على أداء التكاليف ، وذلك ما يدعونا إلى أن نعد أبناءنا علميا وعمليا في هذه السن ، حتى يتواكب البلوغ العضوي مع البلوغ الفكري والعملي ، ليبدأ هذا الإنسان في الإسهام بنشاط وحيوية في بناء المجتمع ، وتحمل ألأمانة وهي دين الله. لذلك ينبغي أن يكون الشاب في هذه السن قادرا على الاستقلال في حياته، قادرا على العمل والإنتاج، ولذا كان من الضروري أن نفكر في إيجاد نظام تعليمي يتفق مع الفطرة الإنسانية ويتناسب مع الطبيعة البشرية، ويحقق الأهداف التعليمية كاملة، بأقل جهد وفي أقصر وقت، وكانت أولى خطوات هذا النظام التعليمي الجديد هو الشعار الذي نرجو أن يضعه كل متعلم أمام عينيه وهو "تعلم لتعمل، واعمل لتُعلم" أو هو بعبارة أخرى "التعلم الموصل إلى العمل، الموسع لدائرة العلم، المطور لمجالات العمل".

 

 

سعيـد بن أحمـد آل لوتاه             
صاحب ومؤسس فكرة المدرسة الإسلامية للتربية والتعليم
 
دبي- الإمارات العربية المتحدة

-->